تراث الانسانية


    مبدأ اللذة والألم

    شاطر

    entalove
    فعال
    فعال

    عدد الرسائل : 140
    تاريخ التسجيل : 13/07/2008

    مبدأ اللذة والألم

    مُساهمة من طرف entalove في الأربعاء 30 ديسمبر 2009 - 10:32

    مبدأ اللذة والالم (*)
    ــــــــــــــــــــــــــ
    يحرص الإنسان بطبيعته على اللذة والمتعة والسعادة ويبتعد كذلك بطبيعته عن الألم والأذى والمعاناة .وبين السلوك الإنساني ومبدأ اللذة والألم علاقة وثيقة هي علاقة النتيجة بالسبب. فالإنسان مقود باللذة ومدفوع بالألم. إن مبدأ اللذة والألم يلعب دورا حاسما في رسم الاتجاهات والاهتمامات وهو الرحم والإطار العام الذي تتكون به عواطف الحب والكره وعادات الفعل والكف. ومن آثار غفلتنا لهذا المبدأ الجوهري قحط وجدب وعجز حياتنا الفكرية والعملية فعلى الصعيد الاجتماعي نفتقر إلى الاعتدال والتوازن والنضج.وان توتر علاقتنا كأفراد ومجتمعات وشعوب ناجم عن غفلة مطبقة عن حقيقة أن مبدأ اللذة والألم هو الذي يحركنا ويوجه نشاطنا ويشغل تفكيرنا. فطلب اللذة وتجنب الألم من أهم حقائق الطبيعة الإنسانية وعلينا أن نحترم هذه الطبيعة والتعامل معها ليس بإلغائها بل بضبطها وتربيتها وتصعيدها مثل أي طاقة في الكون. إن الإنسان لا ينتج ولا يبدع بالإكراه والقسر فهو كائن يحب ويكره ولا يمكن استثماره إلا بمعرفة مفاتيح النفس البشرية ومبدأ اللذة والألم مفتاح المفاتيح. علمه من علمه وغفل عنه من غفل، ومن يغفل عن سنن الله فإن سنن الله لا تغفل عنه. إن الألم غير مرغوب فيه، و في كثير من الأحيان اعتبر مرادفا للشر ولكن الشر ليس قيمة موضوعية كما يرى عالم النفس (هادفيلد) بل وظيفة خاطئة والوظيفة الشريرة هي استعمال اندفاع خير في وقت خاطئ في مكان خاطئ نحو غاية خاطئة. فالألم امتحان لفضائل النفس الإنسانية وصقل لمواهبها ولولا الألم لما استمتع الإنسان باللذة وقل أن تخلو لذة من ألم، أو ألم من لذة. ولولا اللذة والألم لما أمكن إقامة الثواب والعقاب الاجتماعي، فالأخلاق و القوانين الاجتماعية تعتمد في تطبيقها كثيرا على الثواب والعقاب. ولا تتم ولادة بدون ألم ودماء. ولا أطهر من النار لتنقية المعدن من الشوائب. اللذة والألم ينبعثان من تصور النفس لحقيقتهما، فكم من لذة يراها غيرنا ألما، وكم من ألم يراه غيرنا لذة. ويظن البعض أن اللذة هي السعادة ومنه دعا الفيلسوف اليوناني (أبيقور) إلى اغتراف اللذات في الحياة. والشاعر(عمر الخيام) دعا في رباعياته إلى اغتراف اللذات ويرى في الحياة تلك الفترة القصيرة التي هي أقصر من أن نقصرها بالترهات فيجب ملء كأسها بالملذات. ولكن الإفراط في اللذات ضار وأعظم اللذات عندما تأتي في وضع الإشباع سواء الماء مع شدة العطش أو الطعام مع فرط الجوع أو الاتصال الجنسي بفاصل مناسب. ومن اكتشف لذة المعرفة ومباهج البحث ولذة الانجاز واصل الكدح اللذيذ واستمر وأبدع لهذا لابد لنا من التعرف على الطبيعة البشرية والاستفادة من طاقاتها الكامنة واستخراج أفضل ما فيها.فجهلنا بالطبيعة البشرية فوت علينا الفرص وأضاع علينا الوقت وكبدنا الخسائر في الحياة الفردية والاجتماعية.وفي الواقع ان ظاهرة نفور وكره العلم ناجمة عن إغفال وإهمال مبدأ اللذة والألم وتحكمه بالنفس البشرية.. واللذة ملذات كثيرة إن صح التعبير منها لذة الحب والصداقة والجنس ولذة الطعام ولذة الروح ومباهج العقل ومتعة النفس والوجدان ولذة الإيمان. يقول احد كبار العلماء عن لذة الإيمان وما أجمل ما يقول : من لم يدخل جنة الدنيا لن يدخل جنة الآخرة فلذة الإيمان لا تعدلها أية لذة أخرى ومتعة مناجاة الله تقصر دونها كل المتع . وقد قال أحد العلماء الذين عرفوا مباهج العقل والروح: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف!! .واليوم نجد كبار المفكرين يشخصون مأساة الحضارة الغربية على أساس أنها متولدة عن ذلك الانفصال التدريجي الذي حصل بين نور الإيمان والعقل الفلسفي على مدار القرون الثلاثة الماضية. فوقعت نتيجة ذلك الانفصال النكد كارثة كبرى بكل المقاييس وفي كل الاتجاهات. لقد أدت بالفعل انحرافات ومغامرات الغرب في القرن الماضي إلى حربين عالميتين، ومجازر استعمارية، وهيروشيما، وناغازاكي، ونازية وفاشية وبربرية ستالينية. في الواقع لقد خان الغرب التنوير والعقلانية والنزعة الإنسانية. ولن ينهض الشرق إلا بانبعاث الروح والعقل معا، ولكن كما قال ديكارت فإن البيت الجديد لن ينهض إلا على أنقاض البيت القديم وبعد تفكيكه من أساساته، وليس كل ما في القديم خطأ ، والأمم المتقدمة تلك التي تجمع بين التراث والمعاصرة ، وأجمل قوة رفع للإنسان هي في مزج العلم والإيمان( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) .
    هذا وقد تناول فلاسفة الإغريق مبدأ اللذة والألم تناولا إيجابيا على العكس من الفلسفة الهندية التي تناولت المبدأ تناولا سلبيا ورأت أن سعادة الإنسان منوطة بقدرته على تحمل الآلام بطواعية ورضى وإصرار وإماتة الرغبة في اللذة إماتة كاملة تتيح له أن يتحرر من لهفته على اللذة وخوفه من الألم لأنه في الوضع المعتاد يظل نهبا بين طلب الراحة والمتعة والفرار من المشقة والأذى.وهناك من مفكري اليونان من يرى أن اللذة هي الخير الأقصى ، يقول(ارستيبوس): " إن السعادة هي اللذة واللذة جيدة بذاتها فهي الخير الأقصى" وهو يشترط أن يسيطر الإنسان على اللذة لا أن تسيطر عليه ويقول: " إنني أملك اللذة ولا تملكني" ولكن (أفلاطون) رفض أن تكون اللذة هي الخير الأقصى واعتبر: "اللذة خيراً من الخيرات التي يمكن طلبها" أما(أرسطو) فيرى: " أن اللذة تواكب جوهر النوع البشري وأن على كل تربية أن تأخذ اللذة بعين الاعتبار" وقد كان الفيلسوف اليوناني (أبيقور) يرى: " أن الحكمة مبدأ الخيرات جميعاً بل إنها أعظم الخيرات على الإطلاق لأنها ينبوع سائر الفضائل ولأنها تعلمنا أن من المتعذر أن يكون الإنسان سعيداً إذا لم يكن حكيماً وشريفاً وعادلاً وأن من المحال أن يكون المرء حكيماً وشريفاً وعادلاً من غير أن يكون سعيداً" فالسعادة شرط القدرة على الاعتدال والعدل والتوازن والنضج. يرى (أبيقور) أنه ليس من الحكمة ولا المنطق الاستخفاف بمبدأ اللذة والألم فيقول: " إن كل حيوان يبحث منذ ولادته عن اللذة ليستمتع بها استمتاعه بخير أسمى ويبغض الألم بغضه شراً محضاً ويبتعد عنه كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً وهذا هو الموقف الطبيعي السليم فلا حاجة إذن لأية مناقشة للدلالة على ضرورة طلب اللذة والابتعاد عن الألم فالتجربة المباشرة تؤيد ذلك مثلما تُظهر للإنسان أن النار حارة والثلج أبيض والعسل حلو عذب وليس ثمة ضرورة للبرهان على صحة هذه الحقائق بل يكفي أن ننتبه لها" ويرى: " أن للألم سببين هما: الغلو في الرغبة أو الإسراف في اشتهاء اللذة من جهة ثم وجود أمراض لا يمكن اجتنابها وحدوث اضطرابات في الجسم والنفس ناشئة عن أسباب خارجية أو داخلية" .والفيلسوف الرواقي(ابكتيتوس) الذي لم يترك سوى كتاب صغير بعنوان الموجز وأربع محاضرات لم يكتبها هو بل تلميذه(أريان) أسس مدرسة للفلسفة في عام 89 للميلاد تنادي بأربعة مبادئ أساسية للفلسفة: هي الحرية والعناية الإلهية والاتجاه العملي والنزعة الإنسانية• كان الرجل يقول إذا لم تغير الفلسفة التيار الاجتماعي فليست بفلسفة. وأجمل ما في فلسفته قوله "ليس هناك من شر في العالم. هات لي أي شيء وسوف أحوله لك بعصا هرمز إلى خير. كل ما في العالم خير بما فيه الفقر والمرض والعوز والألم والموت". ويصل في النهاية إلى أن هذا الكون مبني على الخير والبرمجة والجمال والغائية، وهو ماضٍ في طريقه إلى أجل مسمى. فليست كل الأمور شرا أو خيرا، بل تبدل من حال إلى حال، وقد يكون الشر عند قوم خيرا عند آخرين، ومن يخسر المال يربحه الثاني، فيطير من يد إلى يد, ومصائب قوم عند قوم فوائد. وهذه الحياة مائدة عامرة دعانا الله إليها فإذا انتهت وجب أن نشكر صاحب الوليمة وننصرف شاكرين حامدين لا باكين نادبين. وفي العصر الحديث صارت الأفكار عن اللذة والألم والمنفعة والضرر أكثر عمقا على يد (هوبز)و(جون ستيوارت مل) و(فرانسيس بيكون) و(جون لوك) و(ديفيد هيوم) و(باركلي) و(هربرت سبنسر) ثم (بيرز) و(وليم جيمس) و(جون ديوي) وغيرهم. ويعتبر علماء التحليل النفسي أن الميل إلى اللذة والنفور من الألم محور السلوك الإنساني ولقد ساهمت جهود ودراسات وأبحاث علماء النفس والتربية والأخلاق في فهم الطبيعة البشرية وترقية هذه الطبيعة نحو الأفضل والأنفع والأسمى.ولكن لماذا كانت كل لحظة فرح ممزوجة بالحزن؟ ولماذا امتزجت اللذة بالألم؟.فهناك فكرة خطيرة تعشش في أذهان بعض المبدعين المعاصرين خلاصتها أن الكتابة الإبداعية لا تأتي إلا بعد تجربة البؤس، وفي أعقاب كل حزن عظيم. و بذلك ينسون الفرح الذي هو الآخر مصدر الإلهام لعشرات من القصائد والقصص الخالدة في تاريخ الأدب العالمي.إن الأدب العظيم متفائل بالضرورة،والتركيز على التجارب المتفائلة لا يلغي وجود حالات مغرقة في التشاؤم أنتجت أدبا عظيما كما في حالة الشاعر الكبير (أبي العلاء المعري). والحقيقة التي لا مفر من الاعتراف بها أن الفرح والحزن صنوان، وليس من الضروري أن تكون الأحزان وحدها محركة الإبداع، فقد تكون حالة الفرح الأصيلة محرضا أساسيا ورافدا خصبا من اكبر روافد الإبداع الأدبي. إن التجربة القاسية ومرارة الظروف لا تبرر أبدا السقوط في مستنقع اليأس، وتجربة(ناظم حكمت) الذي شرد وعذب ونفي، وسجن عشرات الأعوام، ومع ذلك لم يرضخ للاستبداد، ولا استسلم أمام ظروف القمع، وحين خرج من السجن لم يتفرغ للندب، وذم الدنيا، وهجاء الظروف التي انتزعت منه أجمل سنوات عمره إنما واصل خارج السجن كما كان داخله وكتب للأجيال أجمل القصائد عن مجد الأيام الآتية ومنها تلك القصيدة التي تعتبر درة فريدة في عقد الآداب الإنسانية: أجمل البحار ذاك الذي لم نذهب إليه بعد وأجمل الأطفال من لم يكبر بعد وأجمل أيامنا تلك التي لم نعشها بعد، وأجمل ما أريد قوله لم اقله بعد أن البذرة داخل الأرض تحلم بالنور والضوء والهواء لعدة أشهر قبل أن تتحول إلى ياسمين، ونرجس، وشقائق نعمان، والبرعم ينام في سرير انتشائه ويغفو على حلم التحول إلى لون وشذا، وما ينطبق على الزهور يتكرر في حالة البشر الذين يحتاجون هم أيضا إلى تمهيد تربة الآمال المشروعة، بقليل من الفرح غير المجاني الذي يؤدي للأدب الخدمة ذاتها التي قام بها على مدار قرون الحزن الإنساني الشفاف.
    ـــــــــــــــــــــــ

    (*) صبحي درويش


    _________________
    السلام - الحب - الحرية

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 4 ديسمبر 2016 - 10:12