تراث الانسانية


    التطور لستيفن باكستر (رواية)

    شاطر

    entalove
    فعال
    فعال

    عدد الرسائل : 140
    تاريخ التسجيل : 13/07/2008

    التطور لستيفن باكستر (رواية)

    مُساهمة من طرف entalove في الأربعاء 28 يوليو 2010 - 13:12

    رواية التطور .. ستيفن باكستر

    المقدمة

    بينما كانت الطائرة في طريقها للهبوط في مطار داروين اخترقت كتلة من الدخان الأسود الكثيف، فأظلمت النوافذ فجأة، حاجبة ضوء الصيف الذي يخيم على أستراليا وآسيا، وأصدرت المحركات صوتًا حادًّا يشبه العواء.
    كانت جوان Joan تتحدث بهدوء إلى أليس سيجورداردوتير Alyce Sigurdardottir، لكنها تململت في مقعدها، إذ كان حزام المقعد مشدودًا فوق بطنها المنتفخ، إلى درجة جعلتها لا تشعر بالراحة في جلستها. كانت الطائرة فسيحة وحديثة، فحتى مقاعد الدرجة الاقتصادية كانت مرتبة في مجموعات من أربعة أو ستة مقاعد حول مناضد صغيرة، وهو ما يختلف تمامًا عن الأوضاع في الطائرات التي كانت أشبه بعربات نقل الماشية، والتي تذكرتها جوان من أيام طفولتها التي قضتها في السفر حول العالم برفقة والدتها عالمة الإحاثة. ففي عام ٢٠٣١ — وهو عام الصعوبات — لم يكن هناك إقبال على السفر، أما من كانوا يسافرون، فلم يحظوا إلا بالقليل من سبل الراحة.
    ومع زوال الخطر، أدركت فجأة مكانها والموجودين حولها.
    وتأملت جوان الفتاة الجالسة في مواجهتها هي وأليس. كانت الفتاة التي خمنت أنها تبلغ نحو الرابعة عشرة تضع في أذنها أداة صغيرة فضية اللون، وكانت تشاهد صورًا منعكسة على سطح المنضدة لمركبة فضائية تحاول الهبوط على سطح المريخ. فحتى على ارتفاع عشرة آلاف متر فوق بحر تيمور، كانت الفتاة متصلة بالشبكة الإليكترونية، التي ربطت بين نصف سكان الكوكب، وكانت مستغرقة في الأصوات والصور المتراقصة البراقة. شعرها أزرق فاتح، ربما أزرق مائل للخضرة كلون الزبرجد، ولون عينيها برتقاليّ زاهٍ يميل للحمرة، وهو لون غبار المريخ الذي ملأ سطح المنضدة الأنيقة. وأدركت جوان في كآبة أن الفتاة قد أُجريت لها قطعًا عدة «تحسينات» جينية أخرى أقل وضوحًا. كانت الفتاة مستغرقة تمامًا فيما تشاهده، فلم تلاحظ وجود المرأتين الكهلتين الجالستين في مواجهتها، ولم تُبدِ أي رد فعل فيما عدا أن عينيها اتسعتا بعض الشيء حين شاهدت جسد جوان حين جلست، وهو رد فعل كان من السهل على جوان تفهم ما يعنيه، وكأنها تقرأْ كتابًا مفتوحًا — امرأة في هذه السن تصبح حاملًا؟ كم هو أمر مقزز
    لكن بينما كانت الطائرة تشق طريقها بصعوبة في السماء المزدحمة استدارت الفتاة لتحدق من خلال النافذة المعتمة، وانصرف انتباهها عن فقاعة التكنولوجيا المتقدمة التي كانت تشاهدها وقطبت جبينها الأملس بعض الشيء. وبدا الخوف على الفتاة وجال بخاطر جوان أن لها كل الحق، فلم يكن ليساعدها في شيء كل ما أوتيت من كمال صاغه التحسين الجيني، لو وقعت الطائرة. وشعرت جوان بمسحة غريبة من الحقد والحسد لا يتلاءمان البتة مع امرأة في الرابعة والثلاثين: «تعقلي يا جوان، فالجميع بحاجة إلى التواصل الإنساني سواء أكان مُحَسّنًا جينيًّا أم لا. أليس هذا هو محور المؤتمر الذي ستحضرينه؟ أن التواصل الإنساني سينقذنا جميعًا؟»
    مالت جوان إلى الأمام وهي تمد يدها نحوها وقالت: «هل أنت بخير يا عزيزتي؟»
    فانفرج ثغر الفتاة عن ابتسامة كشفت عن أسنان كادت تتوهج من شدة بياضها وهي تقول: «أنا بخير، إنه الدخان فحسب». كانت تتحدث بلهجة سكان الساحل الغربي للولايات المتحدة التي تتميز بخروج الألفاظ من الأنف.
    قالت أليس سيجورداردوتير وهي تبتسم ابتسامة تسببت في تغضن وجهها ذي البشرة القاسية: «إنها حرائق الغابات». وكانت أليس — وهي عالمة متخصصة في دراسة رتبة الرئيسيات — امرأة نحيفة في قرابة الستين من عمرها، لكنها بدت أكبر من ذلك بسبب التجاعيد التي تملأ وجهها. «هذا كل ما في الأمر. فالحرائق الموسمية في إندونيسيا والساحل الشرقي لأستراليا أصبحت الآن تمتد لعدة شهور كل عام.»
    «آه» قالتها الفتاة دون أن يبدو عليها أن ما سمعته قد طمأنها. وأضافت: «ظننت أنه قد يكون رابول Rabaul.»
    قالت جوان: «أسمعت بها؟»
    أجابت الفتاة وقد بدت في صوتها رنة تتهمها بالغباء: «الجميع سمعوا بها. إنها فوهة بركانية كبيرة في بابوا غينيا الجديدة تقع بالقرب من شمالي أستراليا، أليس كذلك؟ وقد شهدت ثوران زلازل وثورات بركانية خفيفة كل عامين تقريبًا طوال القرن الماضي. وشهد الأسبوعان الأخيران وقوع زلازل قوتها (واحد) بمقياس ريختر بصفة شبه يومية.»
    قالت أليس: «إنك تعرفين الكثير عن الأمر.»
    «أحب أن أكون على علم بالمكان الذي أسافر إليه.»
    أومأت جوان برأسها وهي تغالب ابتسامة وقالت: «منتهى الحكمة فعلًا، لكن رابول لم تشهد أي ثورة بركانية كبيرة منذ ما يزيد عن ألف سنة. وسيكون من سوء الحظ ألا يُقَدَّر أن يحدث هذا إلا عندما يصادف وجودك على بُعد بضع مئات من الكيلومترات يا ….»
    «اسمي بِكس، بِكس سكوت.»
    أيكون بِكس هو اسم التدليل لريبيكا؟ … إنها بِكس سكوت بالطبع. أليسون سكوت من الشخصيات المرموقة التي دأبت على حضور المؤتمر، وهي مُبرمِجة جينات تتمتع بظهور إعلامي مكثف، ولها ابنتان جميلتان بفضل الهندسة الوراثية. «بِكس، إن المادة اللزجة التي ترينها خارج النافذة ناتجة بالفعل عن حرائق الغابات. فنحن لسنا معرضين لأي خطر.»
    أومأت بِكس برأسها، لكن جوان أحست أنها في حقيقة الأمر لم تطمئن.
    واستطردت جوان بلهجة مبتهجة: «إذا كان من المقدر لنا جميعًا أن نحترق في فوهة بركانية، فمن الأفضل أن يتعرف بعضنا إلى بعض أولًا. اسمي جوان يوسب، وأنا عالمة إحاثة.»
    قالت بِكس ببهجة: «صائدة حفريات؟»
    - «شيء من هذا القبيل، وهذه السيدة ….»
    - «اسمي أليس سيجورداردوتير.» مدت أليس يدها النحيلة وهي تقول: «يسرني التعرف عليك يا بِكس.»
    أجابت بِكس وهي تحدق فيهما: «عذرًا، لكن أسماءكما تبدو غريبة شيئًا ما.»
    قالت جوان وهي تهز كتفيها: «يوسب اسم جنوب أفريقي أو بالأحرى الصيغة الإنجليزية منه، فالاسم الأصلي غير قابل للنطق إلى حدٍّ بعيد. فأسرتي لها جذور عميقة في أفريقيا … عميقة جدًّا.»
    قالت أليس: «وأنا والدي أمريكي ووالدتي أيسلاندية. نشأت بينهما قصة حب عسكرية، إنها قصة طويلة.»
    قالت جوان: «إننا نعيش في عالم مختلط. فمن المعروف عن الجنس البشري أنه دائم التجوال، فالأسماء والجينات مبعثرة في أنحاء العالم.»
    قالت بِكس وهي تقطب جبينها مخاطبة أليس: «أظن أنني سمعت باسمك، هل أنت متخصصة في دراسة قردة الشمبانزي؟»
    أومأت أليس برأسها وهي تقول: «توليت بعض مهام العالمة جاين جودال (عالمة بريطانية متخصصة في علم دراسة الإنسان وعلم دراسة الرئيسيات، ومبعوثة الأمم المتحدة للسلام، وتشتهر بدراستها للتفاعلات الاجتماعية والعائلية لقردة الشمبانزي في حديقة جومبي ستريم الوطنية بتنزانيا، وبتأسيسها معهد جاين جودال.) Jane Goodall.»
    قالت جوان: «تعتبر أليس واحدة من مجموعة كبيرة من العالمات المرموقات في علم دراسة الرئيسيات … لطالما تساءلت عن سبب تفوق النساء في هذا المجال.»
    ابتسمت أليس: «ألا يندرج ما تقولينه تحت بند الأفكار النمطية المعممة يا جوان؟ لكن، الدراسات السلوكية للرئيسيات في البرية تستغرق — بل استغرقت — عقودًا من الملاحظة؛ لأن هذه هي مدة حياة هذه الحيوانات في البيئة الطبيعية، وهو ما يتطلب الصبر والقدرة على الملاحظة بدون تدخل. ربما تكون تلك من الصفات المتوافرة في النساء، أو ربما طاب لنا الهروب من التسلسل الهرمي الذكوري المعتاد في الأوساط الأكاديمية، فالغابة تفوقها تحضرًا.»
    قالت جوان: «ومع ذلك فإنهن يعتبرن من الرعيل الأول؛ فمنهن جودال وبيروتيه جالديكاس (باحثة كندية متخصصة في دراسة الرئيسيات وعلم سلوك الحيوان. ألفت عدة كتب تتناول الأنواع المهددة بالانقراض.) Birute Galdikas ودايان فوسي (عالمة أمريكية متخصصة في علم الحيوان تخصصت في دراسة الغوريلا على مدى ١٨ عامًا.) Dian Fossey.»
    - «إنني آخر من تبقى من نوع في طريقه إلى الانقراض.»
    قالت بِكس بلهجة تتسم بمسحة مباغتة من الوحشية: «مثل قردة الشمبانزي التي تدرسينها» وابتسمت حين لاحظت صمتهما وقالت: «لقد اختفوا جميعًا من الغابات الآن، أليس كذلك؟ قضى عليهم تغير المناخ.»
    هزت أليس رأسها وهي تقول: «لا، كانت تجارة لحوم الحيوانات البرية هي السبب في ذلك.» وروت لبِكس باختصار عن فترة عملها في الكاميرون، وكيف كان الحطابون يشقون طريقهم في الغابة البكر الممطرة ومن خلفهم الصيادون.
    سألت بِكس: «ألم تكن تلك التجارة غير مشروعة؟ كنت أعتقد أن كل تلك الأنواع القديمة كانت محمية.»
    «بالطبع كانت غير مشروعة. لكن اللحوم البرية تدر أرباحًا، وكان السكان المحليون دائمًا ما يأكلون القرود، أما الغوريلا فكانت من اللحوم الفاخرة؛ فعند زيارة والد زوجك لا يمكن أن تقدمي له الدجاج، لكن عندما وصل الحطابون الأوروبيون ازداد الوضع سوءًا، إذ أصبحت اللحوم البرية من الأطعمة التي تلقى إقبالًا شديدًا.»
    أخذت جوان تفكر في نظرية الثقب الأسود للانقراض: «إن الحياة كلها بل كل شيء في النهاية يتلاشى، ولا يتبقى سوى الثقوب السوداء في مراكز الوجوه الإنسانية. لكن، ماذا بعد ذلك؟ هل سنظل نأكل كل ما يقع عليه نظرنا من شجرة الخليقة العظيمة، حتى لا يتبقى شيء إلا نحن والطحالب ذات اللون الأخضر المائل للزرقة؟»
    قالت بِكس بلهجة متعقلة: «لكن لا تزال هناك قردة الشمبانزي والغوريلا في حدائق الحيوانات، أليس كذلك؟»
    أجابت أليس: «لم تنجح كل الأنواع في البقاء، والأنواع التي أنقذناها بالفعل — مثل قردة الشمبانزي — فهي لا تتكاثر حال أسرها، فهي أذكى من هذا. فقردة الشمبانزي هي أقرب أقربائنا الباقين. وكانت تعيش في عائلات في البرية وتستخدم الأدوات وتشن الحروب. كان كانزي Kanzi — الشمبانزي الذي تعلّم قليلًا من لغة الإشارة — من نوع البونوبو Bonobo (أو الشمبانزي القزم)، هل سمعت عنه من قبل؟ الآن انقرض هذا النوع، انقرض: هذا يعني أنه اختفى إلى الأبد. كيف نستطيع أن نفهم أنفسنا، إذا كنا لم نفهم تلك الكائنات أبدًا؟»
    كانت بِكس تستمع بأدب لكنها بدت شاردة. فخطر لجوان أنها نشأت على تلقي المحاضرات الجادة، ولا بد أن كل هذا لا يهمها كثيرًا أو لا يهمها على الإطلاق، فما هي إلا أصداء عالم تلاشى قبل مولدها.
    خبا حماس أليس وعاد الإحباط يرتسم على وجهها، وفي غضون ذلك ظلت الطائرة تشق طريقها بصعوبة في السماء الملبدة بالدخان الكثيف.
    وحاولت جوان الحد من التوتر الطفيف الذي خيم عليهن — فهي لم تكن ترمي إلى إلقاء محاضرة على الفتاة، بل إلى صرف انتباهها عن الدخان — فغيرت الموضوع قائلة: «تدرس أليس المخلوقات التي ما زالت على قيد الحياة، أما أنا فأدرس المخلوقات التي عاشت فيما مضى ….»
    بدا الاهتمام على بِكس، أخبرتها جوان — ردًّا على أسئلتها — كيف أنها حذت حذو والدتها، وأخبرتها عن عملها، الذي غالبًا ما يكون في المناطق الوسطى الصحراوية من كينيا: «الناس لا يتركون وراءهم كثيرًا من الحفريات يا بِكس، فقد استغرق الأمر مني سنوات حتى تعلمت كيف أميزها، فهي قطع صغيرة ملقاة على التربة. إنها بيئة قاسية للعمل، وقاحلة للغاية، وكل الشجيرات فيها لها أشواك، لتمنعك من سرقة مائها … وبعدها تعودين إلى المعمل لتقضي السنوات القليلة اللاحقة في تحليل تلك الشظايا — في مسعى لمعرفة المزيد عن كيف كانت حياة ذلك الهومينيد Hominid الذي مات منذ مليون عام، وكيف مات، ومن كان.»
    - «الهومينيد؟»

    - «معذرة، إنه كائن من أشباه البشر. إنها من المصطلحات الدارجة في مجالنا. الهومينيد هو أي مخلوق أقرب إلى الجنس البشري منه إلى الشمبانزي، وهناك البيثيسين Pithecine والإنسان ذو القامة المنتصبة (الهومو إريكتوس) Homo erectus وإنسان النيانديرتال Neandertal»
    - «كل هذه المعلومات من كسرات من العظام؟»
    - «صحيح، كل هذا من العظام. أتعرفين؟ حتى بعد عمل استغرق قرنين لم نكتشف الجديد إلا عن ألفي شخص من فترة ما قبل التاريخ كلها، ألفي شخص فقط لا غير من مليارات البشر الذين مضوا قبلنا إلى غياهب المجهول، هذا كل شيء، وكان علينا أن نستنتج من حفنة العظام تلك التاريخ الإنساني المعقد، وتاريخ الأنواع السالفة كافة، وذلك بالعودة بالزمن إلى ما حدث لسلسلة نسبنا بعد سقوط المذنب الذي قضى على الديناصورات …» وتفكرت في أسى، أنه في ظل عدم وجود آلة الزمن يظل الجهد الدءوب الذي يبذله علم الآثار هو النافذة الوحيدة المطلة على الماضي.
    وفي تلك اللحظة بدأت بِكس تعود إلى شرودها.
    تذكرت جوان رحلة قامت بها لهيل كريك بولاية مونتانا عندما كانت في مثل سن تلك الفتاة تقريبًا، في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة. كانت والدتها تعمل هناك؛ لأن المكان كان يمثل موقعًا حدوديًّا شهيرًا شهد انقراض الديناصورات، حيث يمكنك رؤية آثار الحدث الجلل الذي أنهى عصر الديناصورات، فهناك في تلك الصخور — في طبقة من الطمي الرمادي التي لا يزيد سمكها عن سمك يدها — كان ذلك الطمي الحدودي ينتمي إلى العصر الطباشيري الثلثي إذ ترسب في الأعوام الأولى بعد التصادم، كان مغطى بالرماد، أو بالأحرى الغبار المتخلف عن كارثة هائلة.
    وذات يوم وجدت والدتها سِنًّا تحت الطمي.
    - «جوان، هذه ليست مجرد سن، أعتقد أنها سن برجاتورياس (حيوان صغير منقرض بحجم الجرذ يعتقد أنه من النماذج الأولى لرتبة الرئيسيات.) Purgatorius.»
    - «ماذا تقولين؟»
    كانت والدتها امرأة كبيرة الحجم وعفوية، وجهها يغطيه العرق والتراب. «أقول برجاتورياس، إنه من الثدييات التي عاشت قبل عصر الديناصورات. لقد وجدتُ السن تحت الطمي الحدودي.»
    - «أعرفتِ كل هذا من سن فقط؟»
    - «بالتأكيد. انظري إلى هذا الشيء، إنه قطعة محكمة من هندسة الأسنان نتجت عن مائة وخمسين مليون عام من التطور، فهناك علاقة تربط بين كل هذا، فالثدييات تحتاج إلى أسنان خاصة لتقطيع الطعام بسرعة أكبر، نظرًا لحاجتها لطاقة أكبر لتمثيل غذائي أسرع، أما إذا كانت أمك تفرز الحليب، فليس من الضروري أن يكون لديك أسنان دائمة عند ميلادك، فالأدوات المتخصصة يمكن أن تنبت فيما بعد. ألم تتساءلي أبدًا لماذا كان لك أسنان لبنية؟ يهتم الكثيرون بهذا الأمر كثيرًا يا جوان، أتعرفين لماذا؟ لأن السن الذي وجدناه ينتمي إلى أحد الرئيسيات، فهذه الكسرة الصغيرة قد تكون كل ما تبقى من أسلافنا الأكثر بعدًا، أسلافي وأسلافك — وأسلاف كل من على قيد الحياة — وأسلاف الشمبانزي والغوريلا والليمور و….»
    إنها المحاضرة المعتادة من البروفيسور يوسب العظيمة. كانت جوان في سن الثالثة عشرة مهتمة بجماجم الديناصورات اللافتة للنظر أكثر من الأسنان الصغيرة البالية مثل هذه السن. ومع هذا ظل شيء ما يرتبط بتلك الأسنان عالقًا بذهنها. وفي النهاية ساعدت تلك اللحظات على تشكيل حياتها.
    كانت أليكس تقول: «هذا هو الهدف من المؤتمر يا بِكس. فهو مجهود جماعي، نحن نريد أن نتعاون للتوصل إلى أفضل فهم حول الطريقة التي جئنا بها إلى هنا، نحن البشر. نريد أن نروي قصة البشر، لأنه علينا الآن أن نقرر كيف سنواجه المستقبل. فكرتنا هي «عولمة التقمص العاطفي».
    كان ذلك صحيحًا، فالهدف الحقيقي من المؤتمر — الذي لا يعلمه إلا جوان وأليس وبضعة زملاء مقربين — هو تأسيس حركة جديدة، وطريقة جديدة للتفكير، وتوجُّه جديد، قد يمنع حدوث انقراض يتسبب فيه البشر.
    هزت بِكس كتفيها وهي تقول: «أتعتقدين أن هناك من سيستمع إلى لفيف من العلماء؟ لا أقصد الإهانة، لكن لم يحدث أن استمع أحد لهم حتى الآن.»
    قالت جوان وهي تبتسم ابتسامة مصطنعة: «لا عليك. سنحاول على أي حال، ينبغي أن يحاول أحد.»
    - «كما أنه لم يعد هناك جدوى من تلك الأشياء، من علم الآثار هذا، أليس كذلك؟»
    فقالت جوان عابسة: «ماذا تقصدين؟»
    وضعت بِكس يدها بسرعة على فمها وهي تقول: «ما كان ينبغي أن أقول أي شيء. ستستشيط أمي غضبًا.» ولمعت عيناها المرّيخيتان.
    كانت أليس في تلك الأثناء قد عادت إلى شرودها، فتطلعت من النافذة إلى سحب الدخان المتصاعدة من حطام حرائق الغابات على بعد آلاف الكيلومترات.
    قالت والدة جوان لها ذات مرة: «لنفترض أنني تمكنت من اصطحابك في رحلة عبر العصور إلى الماضي السحيق، حينها ستفقدين جبهتك الجميلة المرتفعة بالعودة مائة ألف عام فحسب، ولن يعود باستطاعتك السير بقامة منتصبة على ساقيك بعد ثلاثة أو أربعة ملايين عام، وسينبت ذيلك من جديد بعد خمسة وعشرين مليون عام، وبعد خمسة وثلاثين مليون عام ستفقدين آخر ملامح القردة مثل الأسنان، وبعدها تصبحين قردة يا بنيتي، ثم يظل حجمك ينكمش، وبعد أربعين مليون عام سيصبح شكلك أقرب إلى قردة الليمور. وفي نهاية المطاف ستصبحين كائنًا صغيرًا يشبه الجرذان، يختبئ من الديناصورات.»
    كانت أمها تسمح لها أحيانًا بالنوم في العراء، في الهواء البارد الذي يهف على الأراضي القاحلة التي تعج بتكوينات صخرية نحتتها عوامل التعرية. وكانت سماء مونتانا هائلة وممتلئة بالنجوم. كان درب التبانة يبدو — من منظور جانبي للمجرة اللولبية العملاقة — كطريق سريع يقطع الليل. كانت تستلقي على ظهرها وتحدق إلى أعلى متخيلةً أن كوكب الأرض الصخري قد تلاشى بما يحمله من حفريات وسواها، وأنها تهيم في الفضاء. تساءلت ما إذا كان ذلك المخلوق الصغير الذي يطلق عليه برجاتورياس قد رأى هذه السماء نفسها. هل سبحت النجوم نفسها في السماء منذ خمسة وستين مليون عام؟ هل كانت المجرة تدور مثل دولاب هائل من دواليب الألعاب النارية الدوارة يتألق في عتمة الليل؟
    وخطر لها أن الدخان المتصاعد من البركان الليلة سيُخفي كل النجوم.


    _________________
    السلام - الحب - الحرية

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 8 ديسمبر 2016 - 13:54